أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
122
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك أنّ حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة ، ليس هذا منها ، وتلك المواضع أن تكون الصفة خاصة بالموصوف ، نحو : مررت بكاتب ، أو واقعة خبرا نحو : زيد قائم ، أو حالا نحو : جاء زيد راكبا ، أو صفة لظرف نحو : جلست قريبا منك ، أو مستعملة استعمال الأسماء ، وهذا يحفظ ولا يقاس عليه ، نحو : الأبطح والأبرق ، وما عدا هذه المواضع لا يجوز فيها حذف الموصوف ، ألا ترى أن سيبويه منع : « ألا ماء ولو باردا » ، وإن تقدّم ما يدل على الموصوف ، وأجاز : ألا ماء ولو باردا لأنه نصب على الحال . و « ما » مصدرية في محلّ جر بالكاف ، و « آمن الناس » صلتها . واعلم أن « ما » المصدرية توصل بالماضي أو المضارع المتصرّف ، وقد شذّ وصلها بغير المتصرّف في قوله : 192 - . . . * بما لستما أهل الخيانة والغدر « 1 » وهل توصل بالجمل الاسمية ؟ خلاف ، واستدل على جوازه ، بقوله : 193 - واصل خليلك ما التّواصل ممكن * فلأنت أو هو عن قليل ذاهب وقول الآخر : 194 - أحلامكم لسقام الجهل شافية * كما دماؤكم تشفي من الكلب « 2 » وقول الآخر : 195 - فإنّ الحمر من شرّ المطايا * كما الحبطات شرّ بني تميم « 3 » إلا أنّ ذلك يكثر فيها إذا أفهمت الزمان كقوله : « واصل خليلك . البيت . وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن تكون « ما » كافة للكاف عن العمل ، مثلها في قولك : ربما قام زيد . ولا ضرورة تدعو إلى هذا ، لأنّ جعلها مصدرية مبق للكاف على ما عهد لها من العمل بخلاف جعلها كافة . والألف واللام في « الناس » تحتمل أن تكون جنسية أو عهدية . والهمزة في « أنؤمن » للإنكار أو الاستهزاء ، ومحلّ « أنؤمن » النصب ب « قالوا » . وقوله : كَما آمَنَ السُّفَهاءُ : القول في الكاف و « ما » كالقول فيهما فيما تقدّم ، والألف في السفهاء تحتمل أن تكون للجنس أو للعهد ، وأبعد من جعلها للغلبة كالعيّوق « 4 » ، لأنه لم يغلب هذا الوصف عليهم ، بحيث إذا قيل السفهاء فهم منهم ناس مخصوصون ، كما يفهم من العيّوق كوكب مخصوص . والسّفه : الخفّة ، تقول : « ثوب سفيه » أي خفيف النّسج . وقوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ كقوله فيما تقدّم : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ « 5 » فلا حاجة إلى إعادته . ومعنى الاستدراك كمعناه فيما تقدّم ، إلا أنه قال هناك : « لا يشعرون » ، لأن المثبت لهم هناك هو الإفساد ، وهو ممّا يدرك بأدنى تأمّل لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج إلى فكر كبير ، فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر وهي الحواسّ مبالغة في تجهيلهم وهو أن الشعور الذي قد ثبت للبهائم منفيّ عنهم ، والمثبت هنا هو السّفه والمصدّر به هو الأمر بالإيمان وذلك ممّا يحتاج إلى
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 67 ) . ( 2 ) البيت للكميت بن زيد . انظر ديوانه ( 1 / 81 ) ، همع الهوامع ( 1 / 81 ) ، الدرر ( 1 / 54 ) . ( 3 ) البيت لزياد الأعجم . انظر أمالي ابن الشجري ( 2 / 235 ) ، الأشموني ( 2 / 231 ) . ( 4 ) نجم كبير قرب الثريا . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 12 ) .